صديق الحسيني القنوجي البخاري

572

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَلَقَدْ جَعَلْنا الجعل إن كان بمعنى الخلق فقوله : فِي السَّماءِ بُرُوجاً متعلق به ، وإن كان بمعنى التصيير فهو خبره ، والبروج في اللغة القصور والمحال والطرق والمنازل ، والمراد بها هنا منازل الشمس والقمر والنجوم السيارة السبعة وهي الاثنا عشر المشهورة ، كما يدل على ذلك التجربة . والعرب تعد المعرفة بمواقع النجوم ومنازلها من أجل العلوم ويستدلون بها على الطرقات والأوقات والخصب والجدب ، وقالوا الفلك اثنا عشر برجا وأسماء هذه البروج : الحمل الثور الجوزاء السرطان الأسد السنبلة الميزان العقرب القوس الجدي الدلو الحوت ، كل ثلاثة منها على طبيعة عنصر من العناصر الأربعة عند المشتغلين بهذا العلم ، ويسمون الحمل والأسد والقوس مثلثة نارية ، والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية ، والجوزاء والدلو والميزان هوائية ، والسرطان والعقرب والحوت مائية . وهذه البروج مقسومة على ثمانية وعشرين منزلا ، لكل برج منزلان وثلث منزل ، وتلك البروج منازل الكواكب السبعة السيارة المريخ وله الحمل والعقرب ، والزهرة ولها الثور والميزان ، وعطارد وله الجوزاء والسنبلة ، والقمر وله السرطان ، والشمس ولها الأسد ، والمشتري وله القوس والحوت ، وزحل وله الجدي والدلو ، ذكره السيوطي وهي مقسومة على ثلاثمائة وستين درجة لكل برج منها ثلاثون درجة تقطعها الشمس في كل سنة مرة وبها تتم دورة الفلك ويقطعها القمر في ثمانية وعشرين يوما . وأصل البروج الظهور ، ومنه تبرج المرأة بإظهار زينتها ، وقال الحسن وقتادة البروج النجوم ، وسميت بذلك لظهورها وارتفاعها ، وقيل السبعة السيارة منها ، قاله أبو صالح . وقيل هي قصور وبيوت في السماء فيها حرس ، قاله عطية . وقال مجاهد : البروج الكواكب . وَزَيَّنَّاها أي السماء بالشمس والقمر والنجوم والبروج لِلنَّاظِرِينَ إليها أو للمتفكرين المعتبرين المستدلين بها على توحيد خالقها وصانعها إذا كان من النظر وهو الاستدلال ، أي بأبصارهم أو بصائرهم ، وفي السمين النظر عينيّ ، وقيل قلبيّ وحذف متعلقة ليعم . وَحَفِظْناها أي السماء بالشهب مِنْ دخول كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ قال أبو عبيدة الرجيم المرجوم بالنجوم كما في قوله : رُجُوماً لِلشَّياطِينِ [ الملك : 5 ] والرجم في اللغة هو الرمي بالحجارة ، ثم قيل للعن والطرد والإبعاد رجم ، لأن الرمي بالحجارة يوجب هذه المعاني وقال قتادة : الرجيم الملعون . إِلَّا أي لكن مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ من غير دخول ، وهذا وجه الانقطاع ، والسمع بمعنى المسموع وذلك أن الشياطين يركب بعضهم بعضا حتى يبلغوا إلى